مجمع البحوث الاسلامية

521

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

نحورهنّ وبعض صدورهنّ . وصحّ أنّه لمّا نزلت هذه الآية سارع نساء المهاجرين إلى امتثال ما فيها فشققن مروطهنّ فاختمرن بها تصديقا وإيمانا بما أنزل اللّه تعالى من كتابه . وعدّي ( يضرب ) ب ( على ) - على ما قال أبو حيّان - لتضمينه معنى الوضع والإلقاء ، وقيل : معنى الشّدّ . . . وقرأ غير واحد من السّبعة ( جيوبهنّ ) بكسر الجيم ، والضّمّ هو الأصل لأنّ « فعلا » يجمع على « فعول » في الصّحيح والمعتلّ كفلوس وبيوت ، والكسر لمناسبة الياء . وزعم الزّجّاج أنّها لغة رديئة . ( 18 : 142 ) سيّد قطب : والجيب : فتحة الصّدر في الثّوب ، والخمار : غطاء الرّأس والنّحر والصّدر . ليداري مفاتنهنّ ، فلا يعرضها للعيون الجائعة ، ولا حتّى لنظرة الفجاءة ، الّتي يتّقي المتّقون أن يطيلوها أو يعاودوها ، ولكنّها قد تترك كمينا في أطوائهم بعد وقوعها على تلك المفاتن ، لو تركت مكشوفة . إنّ اللّه لا يريد أن يعرض القلوب للتّجربة والابتلاء في هذا النّوع من البلاء . والمؤمنات اللّواتي تلقّين هذا النّهي ، وقلوبهنّ مشرقة بنور اللّه ، لم يتلكّأن في الطّاعة ، على الرّغم من رغبتهنّ الفطريّة في الظّهور بالزّينة والجمال . وقد كانت المرأة في الجاهليّة - كما هي اليوم في الجاهليّة الحديثة - تمرّ بين الرّجال مسفّحة بصدرها لا يواريه شيء ، وربّما أظهرت عنقها وذوائب شعرها ، وأقرطة أذنيها . فلمّا أمر اللّه النّساء أن يضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ ، ولا يبدين زينتهنّ إلّا ما ظهر منها ، كنّ كما قالت عائشة رضي اللّه عنها : « يرحم اللّه النّساء المهاجرات الأول ، لمّا أنزل اللّه : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ شققن مروطهنّ فاختمرن بها » . وعن صفيّة بنت شيبة قالت : بينما نحن عند عائشة ، قالت : فذكرن نساء قريش وفضلهنّ ، فقالت عائشة رضي اللّه عنها : إنّ لنساء قريش لفضلا ، وإنّي واللّه ما رأيت أفضل من نساء الأنصار ، أشدّ تصديقا لكتاب اللّه ، ولا إيمانا بالتّنزيل ، لمّا نزلت في سورة النّور : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ انقلب رجالهنّ إليهنّ يتلون عليهنّ ما أنزل اللّه إليهم فيها ، ويتلو الرّجل على امرأته وابنته وأخته ، وعلى كلّ ذي قرابته ، فما منهنّ امرأة إلّا قامت إلى مرطها المرحّل ، فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل اللّه من كتابه . فأصبحن وراء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معتجرات كأنّ على رؤوسهنّ الغربان » . لقد رفع الإسلام ذوق المجتمع الإسلاميّ ، وطهّر إحساسه بالجمال ، فلم يعد الطّابع الحيوانيّ للجمال هو المستحبّ ، بل الطّابع الإنسانيّ المهذّب . وجمال الكشف الجسديّ جمال حيوانيّ يهفو إليه الإنسان بحسّ الحيوان ، مهما يكن من التّناسق والاكتمال . فأمّا جمال الحشمة فهو الجمال النّظيف ، الّذي يرفع الذّوق الجماليّ ، ويجعله لائقا بالإنسان ، ويحيطه بالنّظافة والطّهارة في الحسّ والخيال . وكذلك يصنع الإسلام اليوم في صفوف المؤمنات ، على الرّغم من هبوط الذّوق العامّ ، وغلبة الطّابع الحيوانيّ عليه ، والجنوح به إلى التّكشّف والعري والتّنزّي كما تتنزّى البهيمة ! فإذا هنّ يحجبن مفاتن أجسامهنّ طائعات ، في مجتمع يتكشّف ويتبرّج ، وتهتف الأنثى فيه للذّكور حيثما كانت هتاف الحيوان للحيوان !